تبدأ رحلته الطويلة والشاقة عند صباح كل يوم، يجوب فيها شوارع وأحياء المدينة مشيا على قدميه.
وحيث لا ظل يطوي تحته جسده المتفحم من حرارة شمس الظهيرة، يغدو الشارع بالنسبة للصحفي عارف الخيواني مقر إقامة، بعد أن خذلته البلاد وقبل ذلك مهنة الصحافة التي منحها دم قلبه، وسخر كل ادواته الكتابية لمقارعة الظلم وفساد الحاكم، منذ وقت مبكر من علاقته بمهنة الصحافة والإعلام التي افنى أيامه في سبيل حبرها بإخلاص ناسك وتضحية عاشق. ولانه كذلك من هموم ومعانات الناس وعذاباتهم، دفع حياته ثمنا، فكان أن أُعتقل وعُذب، بتهمة التحريض ضد السيادة، التي غُيب لسنوات في سجون أمنها السياسي اثناء حكم على صالح، لتكون النتيجة فقدان ذاكرته،التي غابت وغاب معها عار ف الخيواني الصحفي الإنسان.
هنا على امتداد شارع الدائري في قلب العاصمة صنعاء، يمشط عارف أرصفة الشارع بقدمين عاريتين يسيل منهما تعب المسافات الراكضة في خطاه التائهه ، وعلى هيئة عرق تبلل به قميصه المهترئ و الملطخ بندوب الجدران والأرصفة التي صارت مقرا ليومياته المهزومة.
عارف الصحفي الذي هتف و غنى وكتب على أمل أن تنموا من أصابعه الحالمة بلادا وسماء، صار اليوم عاشق رصيف دون ذاكرة، يلتحف الطرقات ويتشظى فيها وجعا وغياب.
وباستثناء سيجارة دائخة، هي مايسألك حين تصادفه، كما لو أن رغبة جامحة تقوده نحو النسيان أكثر و البقاء بلا ذاكرة، خوفا من احتدام الحياة .
ومثلما تبعث حالته الصحية المتدهورة، وجعٌ وحزن في قلبك حين تراه يهذي دون وعي،، تلفت انتباهك أنامله الرقيقة التي ما تزال فائضة بنشوة الحبر والحرف رغم يوميات البؤس والضياع القاسية التي تكاد أصابعه المرتعشة أن تنطق بها، أو هكذا يُخيل لك وانت تتأمل حركة وخفة يديه، الخشنتان بسبب عوامل التعرية جراء الريح والبرد. ناهيك عن وجهه الشاحب الممتلئ بغبار وشوائب المدينة.
إنها الغربة في أقصى تمثلاتها، حين تفقد ذاكرتك فتنسى من تكون، عدا أن الركض في دروب النهارات الشائكة هو كلما تعرفه من وجودك، لاسيما وان فقدانك للذاكرة، موت حقيقي يشعرك بالغربة ويعزلك عن الحياة.
"عارف عارف عيالك، زوجتك "، ممسكا باكتافه، حاولت أن أسأله عن أبناءه إذا ماكان يشتاق لهم أو حتى يتذكرهم، لكن لا أثر لشيء قديم عالق في ذهنه ولا شيء يربطه بأهله وزوجته وابناءه الذين لا يتذكرهم مطلقا، لقد خانته الذاكرة ونتيجة التعذيب الذي تعرض له في سجون الأمن السياسي فقد كل شيء حتى اسمه المدرج ضمن قائمة عريضة من منتسبي بلاط الصحافة والإعلام في اليمن .
وعند رصيف ضجر ومتسخ في قلب شارع الدائري، تركت عارف الخيواني الصحفي، ليواصل طريقه وحيدا نحو لا جهة ولا سماء ولا بلاد تتسع لعذاباته، التي يخوض أعنف صورها بجسد نحيل متهالك وذاكرة مفقودة، صارت حياته بفعل غيابها لصيقة بالارصفة والتشظي الذي تشهده يوميات الجوع والخوف وخيبة الأمل، في بلادٍ تضيق بابناءها وتطردهم في المنافي جياع وموتى.
ومن ذلك الحين وحتى اللحظة يختالني عارف الخيواني بهيئته المحمومة بتعب السنين، يتلبسني بهمساته وحركاته التائهه، فأشعر كما لو أنه مصيرنا في هذه البلاد، التشظي أو الموت.
قناة الاشتراكي نت_ قناة اخبارية
للاشتراك اضغط على الرابط التالي ومن ثم اضغط على اشتراك بعد أن تفتتح لك صفحة القناة